عبد الرحمن بن ناصر السعدي
540
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
مقتدرة بعددها أو عددها ، أو مالها ، أو علمها ، أو خدمتها . فتراعي الحكومات ، مصالح ذلك الشعب ، الدينية والدنيوية ، وتخشى إن لم تفعل ذلك ، أن يختل نظامها ، وتفقد بعض أركانها ، فيقوم من أمر الدين بهذا السبب ما يقوم ، خصوصا المساجد ، فإنها ولله الحمد في غاية الانتظام ، حتى في عواصم الدول الكبار . وتراعي تلك الدول ، الحكومات المستقلة ، نظرا لخواطر رعاياهم المسلمين مع وجود التحاسد والتباغض بين دول النصارى ، الذي أخبر الله أنه لا يزال إلى يوم القيامة ، فتبقى الحكومة المسلمة ، التي لا تقدر على أن تدافع عن نفسها ، سالمة من كثير ضررهم ، لقيام الحسد عندهم ، وفيما بينهم . فلا يقدر أحدهم ، أن يمد يده عليها ، خوفا من احتمائها بالآخر مع أن الله تعالى ، لا بد أن يري عباده من نصر الإسلام والمسلمين ، ما قد وعد به في كتابه . وقد ظهرت ولله الحمد ، أسبابه ، بشعور المسلمين بضرورة رجوعهم إلى دينهم ، والشعور مبدأ العمل فنحمده ، ونسأله أن يتم نعمته . ولهذا قال في وعده الصادق المطابق للواقع : * ( ولينصرن الله من ينصره ) * ، أي : يقوم بنصر دينه ، مخلصا له في ذلك ، يقاتل في سبيله ، لتكون كلمة الله هي العليا . * ( إن الله لقوي عزيز ) * أي : كامل القوة ، عزيز لا يرام ، قد قهر الخلائق ، وأخذ بنواصيهم . فأبشروا ، يا معشر المسلمين ، فإنكم ، وإن ضعف عددكم ، وعددكم وقوي عدد عدوكم ، فإن ركنكم ، القوي العزيز ، ومعتمدكم على من خلقكم وخلق ما تعملون ، فاعملوا بالأسباب المأمور بها ، ثم اطلبوا منه نصركم ، فلا بد أن ينصركم . * ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) * وقوموا ، أيها المسلمون ، بحق الإيمان والعمل الصالح ، فقد * ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) * . ثم ذكر علامة من ينصره ، وبها يعرف ، أن من ادعى أنه ينصر الله ، وينصر دينه ، ولم يتصف بهذا الوصف ، فهو كاذب فقال : * ( الذين إن مكناهم في الأرض ) * أي : ملكناهم إياها ، وجعلناهم المتسلطين عليها ، من غير منازع ينازعهم ، ولا معارض . * ( أقاموا الصلاة ) * في أوقاتها ، وحدودها ، وأركانها ، وشروطها ، في الجمعة والجماعات . * ( وآتوا الزكاة ) * التي عليهم ، خصوصا ، وعلى رعيتهم عموما ، آتوها أهلها ، الذين هم أهلها . * ( وأمروا بالمعروف ) * وهذا يشمل كل معروف حسنه شرعا وعقلا ، من حقوق الله ، وحقوق الآدميين . * ( ونهوا عن المنكر ) * كل منكر شرعا وعقلا ، معروف قبحه ، والأمر بالشيء والنهي عنه ، يدخل فيه ، ما لا يتم إلا به ، فإذا كان المعروف والمنكر ، يتوقف على تعلم وتعليم ، أجبروا الناس على التعلم والتعليم ، وإذا كان يتوقف ، على تأديب مقدر شرعا ، أو غير مقدر ، كأنواع التعزير ، قاموا بذلك ، وإذا كان يتوقف على جعل أناس ، متصدين له ، لزم ذلك ، ونحو ذلك مما لا يتم الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، إلا به . * ( ولله عاقبة الأمور ) * أي : جميع الأمور ، ترجع إلى الله ، وقد أخبر أن العاقبة للتقوى . فمن سلطه أي : على العباد ، من الملوك ، وقام بأمر الله ، كانت له العاقبة الحميدة ، والحالة الرشيدة . ومن تسلط عليهم ، بالجبروت ، وأقام فيهم هوى نفسه ، فإنه ، وإن حصل له ملك موقت ، فإن عاقبته غير حميدة ، فولايته مسؤومة ، وعاقبته مذمومة . * ( وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود * وقوم إبراهيم وقوم لوط * وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير * فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد * أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ول كن تعمى القلوب التي في الصدور ) * يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإن يكذبك هؤلاء المشركون فلست بأول رسول كذب ، وليسوا بأول أمة ، كذبت رسولها . * ( فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين ) * أي : قوم شعيب . * ( وكذب موسى فأمليت للكافرين ) * المكذبين ، فلم أعاجلهم بالعقوبة بل أمهلتهم ، حتى استمروا في طغيانهم يعمهون ، وفي كفرهم